صحافة فلسطينية
فضيحة غولدستون بين المكابرة والمقامرة
هاني المصري
جريدة الايام الفلسطينية / 17 تشرين الأول 2009
مساء الأحد استمعنا الى خطابين: الأول ألقاه الرئيس ابو مازن، والثاني ألقاه خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس. سنقف أمام الخطابين.بعد طول انتظار ألقى الرئيس ابو مازن خطاباً وضح فيه موقفه من تداعيات تقرير غولدستون.قال أبو مازن إن القيادة الفلسطينية تمتلك الشجاعة لتحمل مسؤولياتها إذا ثبت أن هناك خطأ قد ارتكب في تأجيل التصويت على تقرير جولدستون نسأل الرئيس:إذا لم يكن هناك خطأ، لماذا قررت القيادة الفلسطينية بعد عدة أيام إرسال وزير الخارجية الى نيويورك لدعم الطلب الليبي بعرض التقرير على مجلس الأمن؟إذا لم يكن هناك خطأ، لماذا قرر الرئيس تكليف السفير الفلسطيني في جنيف بإعادة طرح التقرير على مجلس حقوق الإنسان، بعد مضي أسبوع على فضيحة التأجيل؟إذا لم يكن هناك خطأ، لماذا شكل الرئيس لجنة للتحقيق لتحديد الملابسات والمسؤولية؟إذا لم يكن هناك خطأ، لماذا نشهد إجماعاً فلسطينياً، لم يسبق له مثيل، منذ فترة طويلة، على انتقاد التأجيل. فقد عارض هذا القرار اللجنة المركزية لحركة فتح وكافة فصائل م.ت.ف وحركة حماس والفصائل المقيمة في دمشق وكافة منظمات وفعاليات الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه. حتى أمين سر اللجنة التنفيذية للمنظمة ياسر عبد ربه اعتبر أن هناك خطأ ويجب تجاوزه.
العذر الذي يقدم، لعدم الاعتراف بالخطأ، أو لتأجيل الاعتراف بالخطأ، أكبر من ذنب، وهو وجود توافق عربي إسلامي دولي على التأجيل، وضرورة الحصول على دعم أكبر للتقرير عند عرضه على المصادقة في مجلس حقوق الإنسان. هذا مع العلم أن الأغلبية اللازمة لإقرار التقرير كانت متوفرة.هل حصلنا الآن، وبعد مرور عدة أيام فقط على دعم أكبر للتقرير؟ هل أصبح وضعنا الآن أفضل بعد وقوع ضرر فادح على كل المستويات الأصعدة؟هل تم استخلاص الدروس والعبر من الخطأ - الفضيحة؟ لا.الدليل أن الهرولة لإعادة طرحه تمت بدون دراسة وتمحيص ما يدل على استمرار التخبط والارتجالية التي ميزت التعامل الفلسطيني مع هذا التقرير. يكفي للدلالة على ما سبق أن الاجتماع الأول للجنة التنفيذية عقد بعد أكثر من أسبوع من خطيئة التأجيل.
إن تأييد الطلب الليبي بعرض التقرير على مجلس الأمن والاستعجال بطرحه مجدداً على مجلس حقوق الإنسان ينطوي على قدر كبير من الارتجال، لأنه لم يخضع للدراسة والتقييم والتشاور داخل المؤسسة ومع الخبراء والأصدقاء، ويرجع لأسباب فلسطينية تتعلق بامتصاص حالة الغضب العارمة، وقطع الطريق على محاولة حماس توظيف تقرير غولدستون لخدمة مصالحها وأهدافها بالتأكيد على أنها الأجدر بقيادة الشعب الفلسطيني من قيادة محمود عباس، التي ظهرت ــ كما زعمت حماس ــ من خلال دعم تأجيل التصويت على التقرير غير مؤتمنة وغير جديرة بتمثيل الفلسطينيين.
إن مجلس الأمن، يمكن أن لا يرضى بمناقشة تقرير سبق تأجيله في مجلس حقوق الإنسان وإذا نوقش لن يصدر بشأنه قرار أو بيان. وإذا أصرت دول عضو بمجلس الأمن على عرضه على التصويت سيكون الفيتو الأميركي له بالمرصاد. وهذا كان يوجب التأني والدراسة قبل الهرولة لتصحيح الخطأ بخطأ.
كما أن مجلس حقوق الإنسان قد يحتاج الى أغلبية نصف زائد واحد أو الثلثين لإعادة نقاش تقرير تم تأجيله منذ أسبوع فقط. إن القرارات بحاجة الى دراسة وليست مجرد ردود أفعال.كما أن عرض الأمر سابقاً على المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية، مباشرة باسم فلسطين جعل المدعي العام لهذه المحكمة يطالب بإثبات أن فلسطين دولة. وهذا يضعنا في موقف حرج، فإذا فشلنا بإثبات أننا دولة وأعلن المدعي العام أننا لسنا دولة نخسر معركة سياسية، كان الأجدى أن يتقدم بالشكوى دولة عضو بمحكمة الجنايات الدولية أو انتظار أن يتحول الأمر من مجلس حقوق الإنسان الى محكمة الجنايات استجابة لأحد التوصيات الواردة في تقرير غولدستون.
أمر آخر، إذا كانت فلسطين قد قدمت طلب التأجيل الى المجموعة العربية والإسلامية ودول عدم الانحياز لتأجيل التصويت على تقرير غولدستون، كما ثبت فعلا من خلال تصريحات السفير الباكستاني والحكومة التركية، واعتراف السفير الفلسطيني نفسه، من خلال تصريح السفير الإسرائيلي الذي سارع بإعلان ذلك من شدة الفرحة وتحت تأثير شعوره بالنصر الذي حققته إسرائيل، ما عرضه لتوبيخ من وزير الخارجية الإسرائيلية.أو حصل توافق فلسطيني عربي إسلامي دولي على التأجيل، فإن هذا لا يعفي القيادة الفلسطينية من المسؤولية. إن قيام بعض القيادات الفلسطينية، وحتى الرئيس نفسه بتبرير قرار التأجيل بأنه ناجم عن توافق أو طلب عربي إسلامي يجعل الفلسطينيين وكأن الآخرين يتصرفون بأمر يخصهم قبل أي شيء آخر. وهذا يشكل نسيانا لشيء مهم جدا، وهو أن الشعب الفلسطيني خاض نضالا طويلا مريرا، وقدم دماً غالياً غزيراً، من أجل أن يأخذ زمام قضيته بنفسه، وأن ينتزع القرار الفلسطيني.طبعاً هذا لا يعفي أحداً من مسؤوليته عما جرى، لأن قضية تقرير غولدستون قضية إنسانية عالمية أخلاقية، ولا يعفي الدول العربية والإسلامية تحديداً من مسؤوليتها عما جرى. فلولا الضعف والهوان والتبعية العربية لما وصلت فلسطين الى ما وصلت إليه من تدهور في مكانتها ولما تجرأ على شعبها وقيادتها، من يسوى ومن لا يسوى هل فضيحة غولدستون هي التي تفسر ردة فعل حماس التي ظهرت بأشكال مختلفة، أهمها خطاب مشعل الذي شكّل صعيداً نوعياً في موقف حماس من الرئيس أبو مازن وفتح والمنظمة، ومثل، عوداً على بدء، واستدارة كاملة إلى الوراء؟هل خطاب مشعل تكتيك لتحسين شروط حماس في المصالحة أم بداية لمرحلة جديدة، مرحلة القطيعة الكاملة؟لو لم يتراجع الرئيس أبو مازن عن الخطأ الفادح المتمثل بتأجيل تقرير غولدستون جراء الغضب الشعبي، وموقف حركة حماس تحديداً من هذا التقرير، لكنّا نستطيع أن نفهم موقف حماس؟صحيح أن تراجع أبو مازن ينطوي على المكابرة، فلم يعترف بالخطأ، ولا يحمل بالضرورة تجاوزاً للأسباب والمبررات التي أدت الى ارتكاب هذا الخطأ الفادح، إلا أنه تراجع بدليل أنه قرر إعادة طرح تقرير غولدستون على مجلس حقوق الإنسان، وأيد الطرح الليبي للتقرير في مجلس الأمن.تستطيع حماس، لو أنها حريصة فعلاً على متابعة تقرير غولدستون، أن تقول إن البند الأول في المصالحة يجب أن يكون تصحيح ما حدث بالنسبة للتقرير، وضرورة إجراء تحقيق محايد ومستقل فيه والمحاسبة عليه، وتجاوز الأسباب التي أدت إليه.لماذا المغالاة الشديدة في ردة فعل حماس، التي ظهرت في اعتبار أبو مازن "خائناً"، الى حد عدم اللياقة والخروج عن الأصول، كما ظهرت في حديث مشعل بأن "أبو مازن" "فاقد للشرعية"، و"لا يستحق أن يمثل الشعب الفلسطيني"، و"فتح تستحق قائداً أفضل منه"، وأن المطلوب للمصالحة "ترتيب البيت الفلسطيني"، و"إعادة بناء منظمة التحرير"، واعتماد "البرنامج الوطني"، وأن "هذا السقف الذي ترضى به حماس"، أما أنتم (مخاطباً حلفاءه من الفصائل الأخرى، فخذوا السقف الأعلى الذي تريدون). إلى أين مفترض أن يصلوا يا أبا الوليد، إلى الاغتيال!! هل هذا يمثل تجاوزاً وتنكراً لما تم التوصل إليه في الحوار الوطني الشامل والثنائي؟ أم مجرد ردة فعل مؤقتة تستهدف استثمار فضيحة غولدستون بالحد الأقصى؟لقد تعاملت حماس مع تقرير غولدستون مثل الهدية الثمينة التي هبطت عليها من السماء، لذلك بلعت تحفظاتها السابقة على هذا التقرير، واعتبرت أن ردود الفعل السياسية والشعبية الهائلة على رضوخ القيادة الفلسطينية للضغوطات الأميركية والتهديدات الإسرائيلية، فرصة للانقضاض على السلطة، وانتزاع القيادة، والتهرب من شروط المصالحة المتضمنة في الورقة المصرية التي وافقت عليها حماس قبل فضيحة غولدستون، والتي تعتقد الآن أن بمقدورها أن تصل الى شروط مصالحة أفضل بكثير.إن حماس من حقها أن تستثمر فضيحة غولدستون، ولكن المبالغة الشديدة تجعلها تقع بالمقامرة، وإذا استمرت بهذا الموقف فإنها قد تهدم البيت الفلسطيني على من فيه. صحيح أن موقف أبو مازن تأثر كثيرا بسبب تأجيل التصويت على تقرير غولدستون، ولكن ردة فعل حماس المتطرفة جداً المدعومة من بعض الأطراف العربية والإقليمية، وفي ظل تخلي بعض أصدقاء أبو مازن عنه في محنته، أيقظت "الوطنية الفلسطينية" التي أخذت تصيح مرة أخرى "يا وحدنا"، وأن العرب المتخاذلين هم الذين ضغطوا لتأجيل التصويت، وأيقظت "العصبوية الفتحاوية"، فردة فعل حماس حول تقرير غولدستون قزمته وحولته الى تفصيل صغير في حرب فتح وحماس، وأظهرت الأمر وكأنه خطة حمساوية للاستيلاء على السلطة والمنظمة، فعادت فتح، التي انتقدت خطأ تأجيل تقرير غولدستون وطالبت بالتحقيق، للالتفاف حول رئيسها. وعادت الأمور الى صورتها القديمة، فبدلاً من استثمار الإجماع الوطني الذي تحقق ضد الاحتلال الإسرائيلي وملاحقته على جرائمه، فضلت حماس أهدافها الفئوية على المصلحة الوطنية.تخطىء حماس كثيراً إذا تصورت أن نهاية قيادة فتح للسلطة والمنظمة للشعب الفلسطيني قد ازفت صحيح أن الخارطة السياسية الفلسطينية تغيرت، وحماس حصلت على الأغلبية في انتخابات المجلس التشريعي السابقة. لكن انتخابات واحدة لا تكفي حتى تعتبر حماس أنها تستحق القيادة وحدها، إذا فازت حماس مرة أخرى وثالثة يحق لها أن تعتقد أنها الأجدر بالقيادة. القيادة الآن موزعة على الحركتين، وإذا أرادت فتح وحماس الحفاظ على البيت الفلسطيني وعلى المشروع الوطني، عليهما الشراكة معاً ومعهما بقية أطياف الحركة السياسية الفلسطينية، والابتعاد عن التفرد والهيمنة، أو التعايش على الأقل وقبول كل طرف للطرف الآخر، مع تحديد حجم المساحة المشتركة وقواعد العمل السياسي والديمقراطي التي ستنظم المنافسة بينهما.إن عوامل استمرار وقوة فتح كثيرة وعديدة، داخلية وخارجية، منها أنها صاحبة التاريخ، وصاحبة الرصاصة الأولى وتمثل الشرعية المعترف بها عربياً ودولياً وتحظى بدعم عربي ودولي كبير، وأنها وهذا هو الأهم، لا تزال تنطلق من أرضية وطنية.فرغم كل المرونة الزائدة التي وصلت أحياناً إلى حد التفريط، ورغم اتفاق أوسلو وملحقاته والسير وراء سراب المفاوضات وعملية السلام لدرجة أن المفاوضات غدت حياة وأيديولوجية، ورغم التنسيق الأمني مع إسرائيل ووقف المقاومة والفساد، لا تزال فتح والقيادة الفلسطينية بمجملها تقف في الصف الوطني، فهي تريد حلاً لا ترضى عنه إسرائيل رغم كل ما يتضمنه برنامجها وأداؤها من تنازلات، وهذا بالضبط، أي رفضها لما تعرضه إسرائيل، يعرض أبو مازن وفتح والمنظمة لضغوط وتهديدات أميركية وإسرائيلية.
إن الدليل الحاسم على ما سبق، ما حدث بالنسبة لتقرير غولدستون، قبل فضيحة التأجيل ثم إعادة تقديمه بعد الفضيحة، ورفض استئناف المفاوضات من دون تجميد الاستيطان وتحديد مرجعية واضحة لعملية السلام، ما يعرّض القيادة الفلسطينية إلى ضغوط متزايدة من الإدارة الأميركية، التي تراجعت عن سياستها، وأخذت تتبنى الموقف الإسرائيلي الذي يطالب باستئناف المفاوضات من دون شروط مسبقة ومع استمرار إسرائيل بالاستيطان والجدار وتهويد القدس وأسرلتها، وبسحب تقرير غولدستون. فإسرائيل هددت بأن استمرار طرح هذا التقرير سيجعل إسرائيل ترفض استئناف المفاوضات.فإسرائيل تريد أبو مازن راضخاً لها، وأن يكف عما تسميه "السياسة المزدوجة" ويمضي ويقبل بما تعرضه إسرائيل من حلول تصفوية، وأبو مازن يرفض. ولو وافق أبو مازن على استئناف المفاوضات من دون شروط لحصل على دعم أميركي أكبر وعلى رضى من إسرائيل.إن الموقف الرسمي الفلسطيني الحالي لا بأس به، ولكنه لا يكفي ويمكن البناء عليه، بحيث يجب بلورة استراتيجية جديدة تقوم أساساً على مواجهة للاحتلال، وتعتمد على المقاومة المثمرة، وتمد يدها للسلام شرط أن يكون عادلاً أو متوازناً على الأقل.إن حماس التي كانت مؤيدة للورقة المصرية كما ظهر في إعلان خالد مشعل إثر زيارته الأخيرة للقاهرة، عليها أن تواصل هذا التأييد وتوقع الورقة وبأسرع وقت. فرغم أن الورقة المصرية لا تجسد كل مطالبها، إلا أنها تحتوي على ما تم الاتفاق حوله في جلسات الحوار، وتمثل نوعاً من الحل الوسط.إن الورقة المصرية تعطي لحماس نقطتين في منتهى الأهمية: الأولى، تتمثل باستمرار سيطرتها على غزة لفترة تمتد حتى نهاية حزيران المقبل، وهذا يعطيها وقتاً إضافياً هي بحاجة له، ويوفر لها نوعاً من الاعتراف بها، والثانية، تأجيل الانتخابات من شهر كانون الثاني المقبل حتى حزيران. فحماس تخشى أن تكون الانتخابات هي النقطة الوحيدة التي يريدها منافسها الداخلي، لأنه يريد أن يخرجها من الحلبة السياسية ويفقدها الشرعية والأغلبية من نفس الباب الذي دخلت منه وهو صناديق الاقتراع.فحماس تخشى أن خصمها سيوظف الحصار الخانق على قطاع غزة والمقاطعة الدولية ما أدى إليه ذلك من تجويع، وتهدئة من جانب واحد، وإغلاق معبر رفح، ومنع إعادة إعمار قطاع غزة لصالحه في الانتخابات من أجل الفوز فيها، والعودة إلى قطاع غزة، ومن دون أن تضمن أن تبقى شريكة في السلطة (خصوصاً في الضفة الغربية)، ولا أن تصبح شريكاً بالمنظمة.كما أن حماس تخشى من أنها إذا فازت في الانتخابات القادمة، فإنها لن تتمكن مرة أخرى من الحكم، لأن الإدارة الأميركية أعلنت مؤخراً عن عدم استعدادها للاعتراف بحكومة لا تقر بشروط الرباعية. لذلك أي اتفاق وطني يجب أن يشمل احترام نتائج الانتخابات مهما تكن، ومطالبة المجتمع الدولي باحترام إرادة الشعب الفلسطيني.إن حماس تستطيع أن تصر على ضرورة التطبيق المتزامن لكل ما هو وارد في الورقة المصرية، خصوصاً بالنسبة للمنظمة، وعليها أن لا تبالغ في مخاوفها، فوضع الضفة الغربية ليس أفضل كثيراً من قطاع غزة، فالضفة تتعرض، خصوصاً القدس، لأخطر هجوم إسرائيلي يستهدف حسم أمرها قبل أن يفرض على إسرائيل حل لا ترضى عنه. كما أن شعبية خصمها الداخلي قد تراجعت كثيراً بعد فضيحة غولدستون وعقد القمة الثلاثية وتبخر أوهام السلام القريب، وفي ظل التنسيق الأمني والاقتحامات اليومية الإسرائيلية لمناطق السلطة. فكل الأطراف الفلسطينية في أزمة شديدة، والقضية الفلسطينية في خطر شديد.
إن الانقسام هو الوضع النموذجي لاستمرار التنازل بالمفرق والجملة لإسرائيل، لأنه يجعل كل الأطراف الفلسطينية ضعيفة ومعرضة لقبول الابتزاز والشروط الإسرائيلية. فإذا أرادت حماس حماية المصلحة الوطنية، كما تدعي، عليها أن تساعد على إنجاز المصالحة لا تأجيلها، فما الذي سيحدث بعد عدة أسابيع، وهي الأسابيع التي تطالب بها حماس حتى توقع على الورقة المصرية.إما مصالحة أولا: فماذا ستختار حماس؟إن الوحدة هي السياج الأمين الذي يحصّن البيت الفلسطيني، ويجعل الانفراد بالقرار الفلسطيني وارتكاب الأخطاء والخطايا أصعب وأصعب وأصعب.
الوحدة يجب أن تقوم على أساس وطني، نعم. الوحدة على أساس مقاوم، نعم. ولكنها وحدة تفهم حقائق التاريخ والجغرافيا وموازين القوى ولا تحلّق بالطائر الفلسطيني فوق المعادلات المحلية والإقليمية والدولية، ولا تصطدم بالشرعية الدولية التي رغم كل ما بها من إجحاف تعتبر سلاحاً في يد الفلسطينيين.
إن الورقة المصرية ليست مثالية، وهي أقرب الى إعلان نوايا، وتحمل في طريقها ألغاماً، ولكنها أهون الشرور، والمدخل الوحيد المتاح لإبقاء الحوار، وتبقى طريق البحث عن المصالحة الحقيقية مفتوحة.
إن حماس مفترض أن تكون أذكى من أن لا توقع على الورقة المصرية، لأنها عليها أن تدرك أن عدم التوقيع على الورقة المصرية سيظهرها بمظهر الطرف المسؤول عن استمرار الانقسام، وعمّا سيؤول إليه الانقسام من كوارث جديدة، خصوصاً بعد تبخر أوهام السلام القريب.
إن فتح وقّعت على الورقة المصرية رغم أنها مغتاظة كثيراً من بعض مما هو موجود فيها، وبسبب ما هو غير موجود، ففتح أدركت بعد فضيحة غولدستون، وتراجع إدارة اوباما عن سياستها بتجميد الاستيطان، وتحديد مرجعية عملية السلام، وعن وعدها بتقديم خطة سلام، مدى أهمية وتأثير الرأي العام، ومدى الحاجة للمصالحة والوحدة، حتى لا نوسع إسرائيل شتماً وتذهب هي وحدها بالإبل!!
العذر الذي يقدم، لعدم الاعتراف بالخطأ، أو لتأجيل الاعتراف بالخطأ، أكبر من ذنب، وهو وجود توافق عربي إسلامي دولي على التأجيل، وضرورة الحصول على دعم أكبر للتقرير عند عرضه على المصادقة في مجلس حقوق الإنسان. هذا مع العلم أن الأغلبية اللازمة لإقرار التقرير كانت متوفرة.هل حصلنا الآن، وبعد مرور عدة أيام فقط على دعم أكبر للتقرير؟ هل أصبح وضعنا الآن أفضل بعد وقوع ضرر فادح على كل المستويات الأصعدة؟هل تم استخلاص الدروس والعبر من الخطأ - الفضيحة؟ لا.الدليل أن الهرولة لإعادة طرحه تمت بدون دراسة وتمحيص ما يدل على استمرار التخبط والارتجالية التي ميزت التعامل الفلسطيني مع هذا التقرير. يكفي للدلالة على ما سبق أن الاجتماع الأول للجنة التنفيذية عقد بعد أكثر من أسبوع من خطيئة التأجيل.
إن تأييد الطلب الليبي بعرض التقرير على مجلس الأمن والاستعجال بطرحه مجدداً على مجلس حقوق الإنسان ينطوي على قدر كبير من الارتجال، لأنه لم يخضع للدراسة والتقييم والتشاور داخل المؤسسة ومع الخبراء والأصدقاء، ويرجع لأسباب فلسطينية تتعلق بامتصاص حالة الغضب العارمة، وقطع الطريق على محاولة حماس توظيف تقرير غولدستون لخدمة مصالحها وأهدافها بالتأكيد على أنها الأجدر بقيادة الشعب الفلسطيني من قيادة محمود عباس، التي ظهرت ــ كما زعمت حماس ــ من خلال دعم تأجيل التصويت على التقرير غير مؤتمنة وغير جديرة بتمثيل الفلسطينيين.
إن مجلس الأمن، يمكن أن لا يرضى بمناقشة تقرير سبق تأجيله في مجلس حقوق الإنسان وإذا نوقش لن يصدر بشأنه قرار أو بيان. وإذا أصرت دول عضو بمجلس الأمن على عرضه على التصويت سيكون الفيتو الأميركي له بالمرصاد. وهذا كان يوجب التأني والدراسة قبل الهرولة لتصحيح الخطأ بخطأ.
كما أن مجلس حقوق الإنسان قد يحتاج الى أغلبية نصف زائد واحد أو الثلثين لإعادة نقاش تقرير تم تأجيله منذ أسبوع فقط. إن القرارات بحاجة الى دراسة وليست مجرد ردود أفعال.كما أن عرض الأمر سابقاً على المدعي العام لمحكمة الجنايات الدولية، مباشرة باسم فلسطين جعل المدعي العام لهذه المحكمة يطالب بإثبات أن فلسطين دولة. وهذا يضعنا في موقف حرج، فإذا فشلنا بإثبات أننا دولة وأعلن المدعي العام أننا لسنا دولة نخسر معركة سياسية، كان الأجدى أن يتقدم بالشكوى دولة عضو بمحكمة الجنايات الدولية أو انتظار أن يتحول الأمر من مجلس حقوق الإنسان الى محكمة الجنايات استجابة لأحد التوصيات الواردة في تقرير غولدستون.
أمر آخر، إذا كانت فلسطين قد قدمت طلب التأجيل الى المجموعة العربية والإسلامية ودول عدم الانحياز لتأجيل التصويت على تقرير غولدستون، كما ثبت فعلا من خلال تصريحات السفير الباكستاني والحكومة التركية، واعتراف السفير الفلسطيني نفسه، من خلال تصريح السفير الإسرائيلي الذي سارع بإعلان ذلك من شدة الفرحة وتحت تأثير شعوره بالنصر الذي حققته إسرائيل، ما عرضه لتوبيخ من وزير الخارجية الإسرائيلية.أو حصل توافق فلسطيني عربي إسلامي دولي على التأجيل، فإن هذا لا يعفي القيادة الفلسطينية من المسؤولية. إن قيام بعض القيادات الفلسطينية، وحتى الرئيس نفسه بتبرير قرار التأجيل بأنه ناجم عن توافق أو طلب عربي إسلامي يجعل الفلسطينيين وكأن الآخرين يتصرفون بأمر يخصهم قبل أي شيء آخر. وهذا يشكل نسيانا لشيء مهم جدا، وهو أن الشعب الفلسطيني خاض نضالا طويلا مريرا، وقدم دماً غالياً غزيراً، من أجل أن يأخذ زمام قضيته بنفسه، وأن ينتزع القرار الفلسطيني.طبعاً هذا لا يعفي أحداً من مسؤوليته عما جرى، لأن قضية تقرير غولدستون قضية إنسانية عالمية أخلاقية، ولا يعفي الدول العربية والإسلامية تحديداً من مسؤوليتها عما جرى. فلولا الضعف والهوان والتبعية العربية لما وصلت فلسطين الى ما وصلت إليه من تدهور في مكانتها ولما تجرأ على شعبها وقيادتها، من يسوى ومن لا يسوى هل فضيحة غولدستون هي التي تفسر ردة فعل حماس التي ظهرت بأشكال مختلفة، أهمها خطاب مشعل الذي شكّل صعيداً نوعياً في موقف حماس من الرئيس أبو مازن وفتح والمنظمة، ومثل، عوداً على بدء، واستدارة كاملة إلى الوراء؟هل خطاب مشعل تكتيك لتحسين شروط حماس في المصالحة أم بداية لمرحلة جديدة، مرحلة القطيعة الكاملة؟لو لم يتراجع الرئيس أبو مازن عن الخطأ الفادح المتمثل بتأجيل تقرير غولدستون جراء الغضب الشعبي، وموقف حركة حماس تحديداً من هذا التقرير، لكنّا نستطيع أن نفهم موقف حماس؟صحيح أن تراجع أبو مازن ينطوي على المكابرة، فلم يعترف بالخطأ، ولا يحمل بالضرورة تجاوزاً للأسباب والمبررات التي أدت الى ارتكاب هذا الخطأ الفادح، إلا أنه تراجع بدليل أنه قرر إعادة طرح تقرير غولدستون على مجلس حقوق الإنسان، وأيد الطرح الليبي للتقرير في مجلس الأمن.تستطيع حماس، لو أنها حريصة فعلاً على متابعة تقرير غولدستون، أن تقول إن البند الأول في المصالحة يجب أن يكون تصحيح ما حدث بالنسبة للتقرير، وضرورة إجراء تحقيق محايد ومستقل فيه والمحاسبة عليه، وتجاوز الأسباب التي أدت إليه.لماذا المغالاة الشديدة في ردة فعل حماس، التي ظهرت في اعتبار أبو مازن "خائناً"، الى حد عدم اللياقة والخروج عن الأصول، كما ظهرت في حديث مشعل بأن "أبو مازن" "فاقد للشرعية"، و"لا يستحق أن يمثل الشعب الفلسطيني"، و"فتح تستحق قائداً أفضل منه"، وأن المطلوب للمصالحة "ترتيب البيت الفلسطيني"، و"إعادة بناء منظمة التحرير"، واعتماد "البرنامج الوطني"، وأن "هذا السقف الذي ترضى به حماس"، أما أنتم (مخاطباً حلفاءه من الفصائل الأخرى، فخذوا السقف الأعلى الذي تريدون). إلى أين مفترض أن يصلوا يا أبا الوليد، إلى الاغتيال!! هل هذا يمثل تجاوزاً وتنكراً لما تم التوصل إليه في الحوار الوطني الشامل والثنائي؟ أم مجرد ردة فعل مؤقتة تستهدف استثمار فضيحة غولدستون بالحد الأقصى؟لقد تعاملت حماس مع تقرير غولدستون مثل الهدية الثمينة التي هبطت عليها من السماء، لذلك بلعت تحفظاتها السابقة على هذا التقرير، واعتبرت أن ردود الفعل السياسية والشعبية الهائلة على رضوخ القيادة الفلسطينية للضغوطات الأميركية والتهديدات الإسرائيلية، فرصة للانقضاض على السلطة، وانتزاع القيادة، والتهرب من شروط المصالحة المتضمنة في الورقة المصرية التي وافقت عليها حماس قبل فضيحة غولدستون، والتي تعتقد الآن أن بمقدورها أن تصل الى شروط مصالحة أفضل بكثير.إن حماس من حقها أن تستثمر فضيحة غولدستون، ولكن المبالغة الشديدة تجعلها تقع بالمقامرة، وإذا استمرت بهذا الموقف فإنها قد تهدم البيت الفلسطيني على من فيه. صحيح أن موقف أبو مازن تأثر كثيرا بسبب تأجيل التصويت على تقرير غولدستون، ولكن ردة فعل حماس المتطرفة جداً المدعومة من بعض الأطراف العربية والإقليمية، وفي ظل تخلي بعض أصدقاء أبو مازن عنه في محنته، أيقظت "الوطنية الفلسطينية" التي أخذت تصيح مرة أخرى "يا وحدنا"، وأن العرب المتخاذلين هم الذين ضغطوا لتأجيل التصويت، وأيقظت "العصبوية الفتحاوية"، فردة فعل حماس حول تقرير غولدستون قزمته وحولته الى تفصيل صغير في حرب فتح وحماس، وأظهرت الأمر وكأنه خطة حمساوية للاستيلاء على السلطة والمنظمة، فعادت فتح، التي انتقدت خطأ تأجيل تقرير غولدستون وطالبت بالتحقيق، للالتفاف حول رئيسها. وعادت الأمور الى صورتها القديمة، فبدلاً من استثمار الإجماع الوطني الذي تحقق ضد الاحتلال الإسرائيلي وملاحقته على جرائمه، فضلت حماس أهدافها الفئوية على المصلحة الوطنية.تخطىء حماس كثيراً إذا تصورت أن نهاية قيادة فتح للسلطة والمنظمة للشعب الفلسطيني قد ازفت صحيح أن الخارطة السياسية الفلسطينية تغيرت، وحماس حصلت على الأغلبية في انتخابات المجلس التشريعي السابقة. لكن انتخابات واحدة لا تكفي حتى تعتبر حماس أنها تستحق القيادة وحدها، إذا فازت حماس مرة أخرى وثالثة يحق لها أن تعتقد أنها الأجدر بالقيادة. القيادة الآن موزعة على الحركتين، وإذا أرادت فتح وحماس الحفاظ على البيت الفلسطيني وعلى المشروع الوطني، عليهما الشراكة معاً ومعهما بقية أطياف الحركة السياسية الفلسطينية، والابتعاد عن التفرد والهيمنة، أو التعايش على الأقل وقبول كل طرف للطرف الآخر، مع تحديد حجم المساحة المشتركة وقواعد العمل السياسي والديمقراطي التي ستنظم المنافسة بينهما.إن عوامل استمرار وقوة فتح كثيرة وعديدة، داخلية وخارجية، منها أنها صاحبة التاريخ، وصاحبة الرصاصة الأولى وتمثل الشرعية المعترف بها عربياً ودولياً وتحظى بدعم عربي ودولي كبير، وأنها وهذا هو الأهم، لا تزال تنطلق من أرضية وطنية.فرغم كل المرونة الزائدة التي وصلت أحياناً إلى حد التفريط، ورغم اتفاق أوسلو وملحقاته والسير وراء سراب المفاوضات وعملية السلام لدرجة أن المفاوضات غدت حياة وأيديولوجية، ورغم التنسيق الأمني مع إسرائيل ووقف المقاومة والفساد، لا تزال فتح والقيادة الفلسطينية بمجملها تقف في الصف الوطني، فهي تريد حلاً لا ترضى عنه إسرائيل رغم كل ما يتضمنه برنامجها وأداؤها من تنازلات، وهذا بالضبط، أي رفضها لما تعرضه إسرائيل، يعرض أبو مازن وفتح والمنظمة لضغوط وتهديدات أميركية وإسرائيلية.
إن الدليل الحاسم على ما سبق، ما حدث بالنسبة لتقرير غولدستون، قبل فضيحة التأجيل ثم إعادة تقديمه بعد الفضيحة، ورفض استئناف المفاوضات من دون تجميد الاستيطان وتحديد مرجعية واضحة لعملية السلام، ما يعرّض القيادة الفلسطينية إلى ضغوط متزايدة من الإدارة الأميركية، التي تراجعت عن سياستها، وأخذت تتبنى الموقف الإسرائيلي الذي يطالب باستئناف المفاوضات من دون شروط مسبقة ومع استمرار إسرائيل بالاستيطان والجدار وتهويد القدس وأسرلتها، وبسحب تقرير غولدستون. فإسرائيل هددت بأن استمرار طرح هذا التقرير سيجعل إسرائيل ترفض استئناف المفاوضات.فإسرائيل تريد أبو مازن راضخاً لها، وأن يكف عما تسميه "السياسة المزدوجة" ويمضي ويقبل بما تعرضه إسرائيل من حلول تصفوية، وأبو مازن يرفض. ولو وافق أبو مازن على استئناف المفاوضات من دون شروط لحصل على دعم أميركي أكبر وعلى رضى من إسرائيل.إن الموقف الرسمي الفلسطيني الحالي لا بأس به، ولكنه لا يكفي ويمكن البناء عليه، بحيث يجب بلورة استراتيجية جديدة تقوم أساساً على مواجهة للاحتلال، وتعتمد على المقاومة المثمرة، وتمد يدها للسلام شرط أن يكون عادلاً أو متوازناً على الأقل.إن حماس التي كانت مؤيدة للورقة المصرية كما ظهر في إعلان خالد مشعل إثر زيارته الأخيرة للقاهرة، عليها أن تواصل هذا التأييد وتوقع الورقة وبأسرع وقت. فرغم أن الورقة المصرية لا تجسد كل مطالبها، إلا أنها تحتوي على ما تم الاتفاق حوله في جلسات الحوار، وتمثل نوعاً من الحل الوسط.إن الورقة المصرية تعطي لحماس نقطتين في منتهى الأهمية: الأولى، تتمثل باستمرار سيطرتها على غزة لفترة تمتد حتى نهاية حزيران المقبل، وهذا يعطيها وقتاً إضافياً هي بحاجة له، ويوفر لها نوعاً من الاعتراف بها، والثانية، تأجيل الانتخابات من شهر كانون الثاني المقبل حتى حزيران. فحماس تخشى أن تكون الانتخابات هي النقطة الوحيدة التي يريدها منافسها الداخلي، لأنه يريد أن يخرجها من الحلبة السياسية ويفقدها الشرعية والأغلبية من نفس الباب الذي دخلت منه وهو صناديق الاقتراع.فحماس تخشى أن خصمها سيوظف الحصار الخانق على قطاع غزة والمقاطعة الدولية ما أدى إليه ذلك من تجويع، وتهدئة من جانب واحد، وإغلاق معبر رفح، ومنع إعادة إعمار قطاع غزة لصالحه في الانتخابات من أجل الفوز فيها، والعودة إلى قطاع غزة، ومن دون أن تضمن أن تبقى شريكة في السلطة (خصوصاً في الضفة الغربية)، ولا أن تصبح شريكاً بالمنظمة.كما أن حماس تخشى من أنها إذا فازت في الانتخابات القادمة، فإنها لن تتمكن مرة أخرى من الحكم، لأن الإدارة الأميركية أعلنت مؤخراً عن عدم استعدادها للاعتراف بحكومة لا تقر بشروط الرباعية. لذلك أي اتفاق وطني يجب أن يشمل احترام نتائج الانتخابات مهما تكن، ومطالبة المجتمع الدولي باحترام إرادة الشعب الفلسطيني.إن حماس تستطيع أن تصر على ضرورة التطبيق المتزامن لكل ما هو وارد في الورقة المصرية، خصوصاً بالنسبة للمنظمة، وعليها أن لا تبالغ في مخاوفها، فوضع الضفة الغربية ليس أفضل كثيراً من قطاع غزة، فالضفة تتعرض، خصوصاً القدس، لأخطر هجوم إسرائيلي يستهدف حسم أمرها قبل أن يفرض على إسرائيل حل لا ترضى عنه. كما أن شعبية خصمها الداخلي قد تراجعت كثيراً بعد فضيحة غولدستون وعقد القمة الثلاثية وتبخر أوهام السلام القريب، وفي ظل التنسيق الأمني والاقتحامات اليومية الإسرائيلية لمناطق السلطة. فكل الأطراف الفلسطينية في أزمة شديدة، والقضية الفلسطينية في خطر شديد.
إن الانقسام هو الوضع النموذجي لاستمرار التنازل بالمفرق والجملة لإسرائيل، لأنه يجعل كل الأطراف الفلسطينية ضعيفة ومعرضة لقبول الابتزاز والشروط الإسرائيلية. فإذا أرادت حماس حماية المصلحة الوطنية، كما تدعي، عليها أن تساعد على إنجاز المصالحة لا تأجيلها، فما الذي سيحدث بعد عدة أسابيع، وهي الأسابيع التي تطالب بها حماس حتى توقع على الورقة المصرية.إما مصالحة أولا: فماذا ستختار حماس؟إن الوحدة هي السياج الأمين الذي يحصّن البيت الفلسطيني، ويجعل الانفراد بالقرار الفلسطيني وارتكاب الأخطاء والخطايا أصعب وأصعب وأصعب.
الوحدة يجب أن تقوم على أساس وطني، نعم. الوحدة على أساس مقاوم، نعم. ولكنها وحدة تفهم حقائق التاريخ والجغرافيا وموازين القوى ولا تحلّق بالطائر الفلسطيني فوق المعادلات المحلية والإقليمية والدولية، ولا تصطدم بالشرعية الدولية التي رغم كل ما بها من إجحاف تعتبر سلاحاً في يد الفلسطينيين.
إن الورقة المصرية ليست مثالية، وهي أقرب الى إعلان نوايا، وتحمل في طريقها ألغاماً، ولكنها أهون الشرور، والمدخل الوحيد المتاح لإبقاء الحوار، وتبقى طريق البحث عن المصالحة الحقيقية مفتوحة.
إن حماس مفترض أن تكون أذكى من أن لا توقع على الورقة المصرية، لأنها عليها أن تدرك أن عدم التوقيع على الورقة المصرية سيظهرها بمظهر الطرف المسؤول عن استمرار الانقسام، وعمّا سيؤول إليه الانقسام من كوارث جديدة، خصوصاً بعد تبخر أوهام السلام القريب.
إن فتح وقّعت على الورقة المصرية رغم أنها مغتاظة كثيراً من بعض مما هو موجود فيها، وبسبب ما هو غير موجود، ففتح أدركت بعد فضيحة غولدستون، وتراجع إدارة اوباما عن سياستها بتجميد الاستيطان، وتحديد مرجعية عملية السلام، وعن وعدها بتقديم خطة سلام، مدى أهمية وتأثير الرأي العام، ومدى الحاجة للمصالحة والوحدة، حتى لا نوسع إسرائيل شتماً وتذهب هي وحدها بالإبل!!
0 comments:
Post a Comment